0

قضية القتلى، والمفصولين، والمساجين، والمختطفين...  سمّيناها وقتذاك عندما كنا نتفاوض مع الجنرال اسماعيل العماري " تركة الأزمة"، وذلك حول الضّرر الذي لحق بالشعب الجزائري جرّاء الأزمة التي عصفت بالبلاد، وقدّمنا اقتراحات وملاحظات لقيادة النظام حول كيفية حلّ الأزمة الجزائرية.
تحدثنا منذ سنة 1994 والى غاية 1997 وتوصّلنا من خلال المحادثات الى غاية النقطة التي تفيدنا الى كشف الحقيقة، وعندما وجدنا استعدادا لدى النظام ممثلا في قيادة المخابرات، التي كان من بينها اسماعيل العماري، وجاءت ساعة الحقيقة:
طلبنا منه أن تُشكّل لجنة للتحقيق في الثكنات، وفي السجون، وفي الأماكن المظلمة... على الأحياء من المختطفين، وقلت له:  قبل أن يُطلق سراح المختطفين، يجب أن نضع خطّة للتخفيف من حدّة الصّدمة عند ملاقاة عائلاتهم... ونستطيع من خلال ذلك أن نجعل الشعب الجزائري رغم قساوة المأساة يتفهّم الأمر.
سارت الأمور بشكل جيّد، ومع التقدم الذي أحرزته التحقيقات... إلاّ أنني صُدمت بصدمة كبيرة من  خلال ردّ الجنرال اسماعيل العماري، حيث قال لي بالحرف الواحد:
أريد أن أصارحك بالحقيقة كماهي وأخشى أن لا تُصَدِّق، وأعرف أنّ هذا الأمر جدّ صعب لهضمه ولكن هذه هي الحقيقة المرّة ! قلت له:  أنتم اذن أكثر من الجماعة الإسلامية المسلّحة  وحشية ؟
ربّما هذه الجماعات خارجة عن القانون في نظركم، وفيها جهلة، وربما هناك من يجد لهم الأعذار، نظرًا لأنهم يقومون بتلك الأعمال انتقاما !
ولكن هل يعقل أن يصدر هذا من طرف دولة ترفع شعار القانون ولها مؤسسات قائمة وهي تقوم بتصفية مواطنيها خارج إطار القانون ؟
أجابني اسماعيل العماري ببرودة: لم نعد نتحكّم في الوضع، وقد فلتت الأمور أمنيا من أيدينا جميعا !
لقد تمّت تصفية كلّ المختطفين ولم يبق واحد منهم على قيد الحياة. هناك من قام بتصفية حساباته، وهناك من قام بالتصفية خوفا من العقاب، وهناك من وجد الفرصة لتعكير الأمور، ويجب علينا جميعا أن نتقبل الأمر وأن ننظر إلى المستقبل وننقذ ما يمكن انقاذه !
خيّم السكوت علينا لمدّة، وكان كلّ منّا يتحسّر على الوضع، وتفّهمنا الواقع المرّ الذي وصلنا إليه والنتيجة الكارثية. اجتمعت مع قيادة الجيش الاسلامي للإنقاذ وحاولت أن أشرح لهم بأنه يجب علينا إقناع الشعب مع مرور الزمن والقبول بما توصّلنا إليه.
بعدما نزلنا من الجبال، بدأنا نعمل من أجل تسوية أوضاع العائلات المتضرّرة من الاختطافات القسرية، سيما وأن أغلبها كانت عائلات فقيرة، وتضرّرت كثيرا من الناحية الاجتماعية وأجّلنا الجانب السياسي والقضائي إلى وقت لاحق، حتى لا تنفلت الأمور.
كُنّا نعلم أن الدولة هي أيضا في مأزق اقتصادي، ولكن مع ذلك حاولنا قدر الإمكان أن نخفِّفَ على العائلات ...التي أخذت مبلغ 200 مليون سنتيم جزائري وكذا أجرة شهرية  تقدر بـ 1600 دج ، مكّنت لهذه العائلات أن تعيل أفرادها، مع علمنا المسبق أنّ ذلك غير كافٍ وليس حلاّ.
هناك عائلات قبلت بالوضع وسلّمت بالأمر الواقع، وهناك عائلات أخرى رفضت، ومن حقهم ذلك طالما أنَّهم مفجوعون.
وفيما يخصّني: كانت أختي إحدى المتضرّرات من هذه المأساة، حيث اختطف زوجها وتمّت تصفيته ...
حاولتُ إقناعها بالأمر، رفضت في البداية، ولكن في نهاية الأمر سلّمَت أمرها إلى الله وهي مؤمنة ومحتسبة، مع أنها مصدومة... ولكن هذا هو قضاء الله.
وفي هذه النقطة: أردت أن أوجّه رسالة الى بعض المتاجرين من رؤساء الأحزاب والمنظمات  والصحف... أن يتقوا الله في هذا الشعب، ويحاولوا قدر الإمكان أن يساهموا في وحدة الشعب، بدل زرع الضغائن والأحقاد ونكأ الجراح، ودفع الشعب مرّة ثانية إلى الاقتتال.
كما يجبُ أن يعلم الجميع أننا موقنون بأن تسوية الأوضاع مرّة واحدة كان سيدفع بالجزائر إلى الهلاك، أمّا مسألة الحقيقة فلستم وحدكم تطالبون بمعرفتها، إنّما هذه قضية الجميع وعلينا أن نناضل من أجلها .
مقتطف من الحوار الذي أجريته مع أمير الجيش الاسلامي للإنفاذ سابقا مدني مزراق، يوم   01 أفريل 2012 على إذاعة وطني.

إرسال تعليق

 
Top