0
شاهد على فرار سجن تازولت

بعد التعذيب الذي تعرّضت له في سجن سطيف، وبعد العمليات التي أجريت لي في المستشفى نتيجة الإصابات بالرّصاص، نُقلت في سيارة إسعاف إلى سجن تازولت دون محاكمة.
كانت ثلاث حافلات  مملوءة  بالمساجين، أغلبهم من أنصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ، تمّ نقلهم من سجن سطيف الى هناك.
عند وصولنا: كان في استقبالنا حرّاس السّجن، يقفون مقابل بعضهم بعضا في رواق على شكل صليب، ويحملون قضبانا حديدية يضربون بها المساجين... المحظوظ فينا من وصل إلى الساحة واقفا !
أغلب المساجين، كانوا يصلون مُهشّمين وأجسامهم مخضوبة بالدّماء، وهم يصرخون ويبكون !
تمّت تعريتهم جميعا بالكامل ووضعوا في  ساحة السّجن. إنّه موقف رهيب جداّ !
أخذني اثنان من سجناء الحق العام، وسارا بي نحو الزنزانة التي كانت محجوزة لي، وفي الطريق إليها على السرير المتحرّك الذي وضعاني عليه، سقطت على الأرض، بعدما تم تحريك السرير! كنت أتألّم  وأصرخ  من شدّة الإصابات!
رموني في الزنزانة تحت الأرض في جناح المحكوم عليهم بالإعدام "في قضية قمار". لم يكونوا يعالجوني بل كان الإخوة هم من يعالجوني بالعسل الذي كان يأتي من الخارج !


قاموا بحلق لحيتي ورأسي وحتى حاجبي ! كان الأمر نفسه لكلّ المساجين !
عندما بدأت زيارة الأهالي للمساجين، أغلب عائلاتنا لم يتعرفوا علينا، نتيجة التعذيب والحالة اللاّإنسانية التي كنا فيها !
نقلونا في مجموعة إلى المحكمة بسطيف أين حُكم علي بالسجن المؤبد رفقة إخوة آخرين. كانت المجموعة الأولى تتكون من 36 شخصا.
صدر الحكم علينا دون أن نرى وجوه القضاة في المرّة الأولى، الشخص الوحيد الذي رأيته وتعرّفت عليه  هو: قائد فرقة الدرك بسطيف "الرزقي" .
كان يرتدي قميصا مُزخرفا بالورود . سمعته يقول للنائب العام: يجب أن لا يخرج هؤلاء الثلاثة من السجن، ويقصد:  شخصي، زدّيوي عبد الوهاب، صالح عيبود الذي كان يحوز على حزام أسود في رياضة الكاراتيه.
أعيدت المحاكمة  بعد مدّة ، حيث ثبّتوا الحكم الأول في حقّي، وقبل أن يحاكموني رأيت هذه المرّة القاضي، وتَلَوْتُ عليه آية من القرآن الكريم، وذكّرته لإقامة الحجة عليه، إلاّ أنه أصرّ على تثبيت  الحكم، وقال لي: لا أستطيع فعل شيء !
لم يستفد أحدٌ مِنَّا من العفو، رغم صدور ما سُمّي بقانون الرّحمة الذي أصدره اليمين زروال !
عادوا بنا إلى سجن تازولت المعروف بـ "لومباز" لإتمام العقوبة، كان الوضع مأساويا، حيث الزنازين جدّ صعبة، نتيجة الرطوبة والبرد "، هذه الأخيرة  تعود إلى العهد الروماني".
كنا نقضي حاجاتنا في نفس الزنزانة، بمعنى أنّنا كنا نعيش في مراحيض !
في أحد الأيام، تمّ إخراجنا إلى الساحة، وبينما كنا هناك، أخذ حارسان أحد الإخوة وهو من مدينة بسكرة، وسارا به إلى مكان مجهول، ويتمتع هذا الأخ بلياقة بدنية معتبرة نظراً لممارسته لرياضة الكاراتيه.
مباشرة بعد عودتنا إلى الزنازين كان هذا الأخ يقابلني في الزنزانة، وكان بجانبي أخ من العاصمة يقال له عبد الرّحمان "وهو نقيب في الجيش جيء به من بشار"، ولما جاء حارس المناوبة للقيام بدورية وجده مشنوقا داخل زنزانته !
قبل عشرة أيام من تحريرنا، أُفرغ السّجن ! لم يبق فيه إلاّ غالبية المحكوم عليهم بالإعدام ، وهنا يجب طرح العديد من الأسئلة: هل كانت إدارة السجن على علم  ؟ أم كانوا ينوون إعدامنا بطريقة أو بأخرى ؟
يوم 27 رمضان 1994، كان السّجن محاصراً بالحرّاس نهاراً وأحسست أنّ هناك شيئا ما يجري. شاهدت من ثقب الزنزانة أحد الحرّاس يبكي، وهو يستمع إلى القرآن. "يوم 29 رمضان سنة 1994 كان يوم الفتح".
إنّه اليوم الذي تمّ فيه تحرير أكثر من 1300 سجين، بتدبير من الإخوة، وتواطؤ من الحرّاس !
كان المفترض - كما روى لي أحد الحرّاس - بعد تحريرنا، أن يكون هذا الموعد لتحرير المتهمين بتفجير مطار هواري بومدين، وهم: حسين عبد الرحيم ، الملياني، رشيد حشايشي، سوسان، لكن إرادة الله سبقت ذلك، حيث تم تنفيذ حُكم الإعدام في حقهم يوم 31أغسطس 1993.
تقاطعت مع حسين عبد الرحيم مرّة، ومرّة أخرى مع منصوري الملياني، رحمهما الله.
قامت جماعة مسلّحة بغلق الطريق بعد حفر خنادق بآلة الحفر، وهذا لتأمين عملية الفرار.
جاءني نفس الحارس الذي تحدّثت عنه قبل قليل، وطلب مني أن أحضّر نفسي للخروج !
كانت المجموعة الأولى التي تصدّرت عملية الخروج من السّجن منظمة: السعيد قارئ، مجموعة الأميرآلية بالعاصمة، مجموعة من بريكة. "كانوا حوالي 22 شخصا" .كان هدفهم: أنه في حالة فشل عملية التحرير، سيتحملون هم المسؤولية، وينجو باقي المساجين !
كان عدد الحراس الذين شاركوا في عملية تحرير السجناء 09 ! أعرف من بين الحرّاس الذين التقيت بهم في الجبل أبو عُزير: الشخص الذي طلب مني تحضير نفسي للخروج من الزنزانة. هذا الذي ذكرت من قبل أنه كان يستمع إلى القرآن ويبكي، "قُتل في عملية بجبل الوحش بقسنطينة".
خالد  عبد الله: من مدينة بريكة لازال على قيد الحياة إلى غاية 1999، ولست أدري هل ما يزال حيا ؟ إضافة إلى أسد الله الذي كان أميرًا للحرّاس.
عندما بدأت عملية تحرير السّجناء، بدأ الحرّاس المتواطئون مع إخوة في الخارج    بحجز باقي الحرّاس، " زملاؤهم الذين لم يكونوا على علم بقضية التحرير".
وضعوهم  في الزنازين مكان السجناء دون أن يمسّوهم بسوء، وكان بإمكانهم قتلهم. تم إطلاق سراح المحكوم عليهم بالإعدام، وكذا المحكوم عليهم بالسجن المؤبد كدفعة أولى !
كنت مع المجموعة الأولى التي يُراد تحريرها، ولكن لسوء حظي، لم يستطع الإخوة فتح الزنزانة، وبقيت فيها على أعصابي!
عاهد الإخوة الله على أن لا يتركوا سجينا واحدا حتى نخرج جميعا، ولو أدّى ذلك إلى أن يُقتلوا كلهم من أجل أن يخرج المساجين !
حاول الإخوة عدة مرّات فتح الزنزانة إلاّ أنه في كل مرّة تبوء محاولتهم بالفشل، حتى جاء الحارس أسد الله وقام بتحريري. كنت آخر سجين تم تحريره !
خرجنا جميعا بلباس السجن، حيث كنت أرتدي بذلة المحكوم عليهم بالإعدام !
تفرّق المساجين وانتشروا في كلّ الاتجاهات، حتى أنه وصلني أنّ إخوة باتوا في العاصمة، بعدما وجدوا الطريق إلى هناك ! أخذت مجموعة من الشاحنات وبعض السيارات الدفعة الأولى من المساجين، فيما البقية ساروا على الأقدام !
توجّهت مباشرة الى الجبل المجاور مع المجموعة التي كنت فيها، "تصل إلى أكثر من 100 فرد". كان الطريق وعرًا ودوي المدافع والرّصاص ينطلق في كل ناحية !
لم نجد ما نأكل وما نشرب ولا بما نتغطّى، ولم نفكر في شيء وقتها، بل كنا جدّ سعداء حتى ولو تم قتلنا جميعا، لأننا كنا سنموت أحرارًا، ولم نكن راضين أن نموت ونحن مقيّدون بالأغلال وفي الزنازين !
قضينا 5 أيام ونحن في وضع مأساوي، إلى أن عثرنا على أحد الإخوة "كان ينتمي إلى جماعة مسلحة" فأرشدَنَا.
تمّت محاصرتنا من جهتين، وتم استهدافنا، حيث قتل مالا يقل عن 25 سجينا !
ضُربنا حتى بالأسلحة المحرّمة دوليا، واستخدم ضدّنا غاز النابآلم! لم نكن نرى غير لهيب الرصاص  في تلك الليلة!
من العجائب أنه أنقذنا بغل ! وكأنه أُرْسِلَ إلينا ؟  أمسكنا بذيله، كُنَّا نسير في شكل سلسلة " بمعنى أن أحدنا يمسك في حزام الآخر " إلى أن خرجنا إلى الطريق !
تمّ الامساك بعشرة مساجين، ومن بينهم سجناء الحق العام، وتمت تصفيتهم جميعا خارج القانون، حتى لا يبقى أي أثر يدلّ على الجريمة !
بقينا 33 يوما ونحن في وضع مأساوي، حتى وصلنا إلى جبل أرّيس بولاية باتنة...كنت آخر من وصل إليه نظرا لحالتي الصحية، وكنا وقتذاك لازلنا نرتدي بذلة السجن !
كان الجوّ باردا جدّاً، كُنَّا ننام في الحفر، ونختبئ في المغارات بالجبال ...كنا نخرج في اللّيل، أمّا في النهار فكنا نتخفّى على أعين أجهزة الأمن !
وجدنا مجموعة كبيرة هناك من المساجين بعد أن تفرّقت بنا السبل  ! تم اختيار السعيد قارئ كأمير للجماعة، هذا الأخير هو الذي كان يُنَسّق مع الحرّاس لعملية تحرير السجناء من سجن تازولت. كانت له تجربة في المقاومة، حيث كان مع حكمتيار أيام الجهاد في أفغانستان.
اقترح علينا  أن ننقسم الى مجموعات وأن يذهب كل منا إلى منطقته. كان أعدادٌ من الرجال من أهل المنطقة في أرّيس "المعروفة بمشاركتها في الثورة" يعيشون أوضاعا صعبة جدّاً وبعض المرّات بدائية، حيث أنّ منهم من لازال يبيت مع الحيوانات !
عُدْنَا من حيث أتينا ! مررنا بمنطقة تازولت أين يوجد السجن،  بحكم أنه محتم علينا المرور من هناك ، حتى أن أحد الإخوة قال: هذه مكيدة دبّرت  لنا !
تركنا بلال وهو من سيدي بلعباس في إحدى المناطق، بعدما تعذّر عليه الأمر أن يواصل المسير معنا.
كانت قدماه تسيلان بالماء... ولم يجد هذا الأخ من سبيل إلاّ النوم في حفرة. بعد تسعة أيام وجدناه بعد عودتنا وقد ساعده أحد شيوخ المنطقة !
مررنا بجبل الشلعلع ومروانة أين استقبلنا بعض الإخوة، وغيّرنا بذلات السّجون... بقينا خمسة أيام ونحن في مغارة !
لم نكن نشاهد إلاّ الخفافيش ! بلغنا أمرٌ من أحد التابعين لجماعة إسلامية مسلّحة أنّ قوّات الأمن تعرّفت على المكان، وسيتم استهدافنا. خرجنا حوالي الرابعة صباحا، أين صعدنا إلى الجبل وكان  ساعتها يتساقط الثلج !
بقينا خمسة أيام ونحن في ذلك الجوّ، وسرنا إلى جبال بوطالب بالقرب من بريكة. التقينا بمجموعة هناك؛ طمأنونا.
وجدنا عدّة فيلات قيل لنا أنها تابعة للرئيس الشاذلي بن جديد "فيها بعضا من الغزلان". قمنا بذبح بعضها حتى نتغذى... أكلنا لحمًا واسترحنا قليلا من المعاناة التي رافقتنا طيلة ثلاثة أشهر من تحريرنا.
سمعنا دويّ الرصاص فافترقنا! كانت المجموعة آنذاك التي كنت أنتمي إليها تفوق 60 شخصًا.
كُنَّا ننتقل من جبل إلى آخر، ولم نكن نُظهر أنفسنا للمدنيين خوفًا من إخبار أجهزة الأمن أو الجيش.
ذات يوم: من كثرة الجوع، طلبت من الإخوة أن أنزل بمفردي وأستقصي الأمر، بعدما ضاع منا الدليل الذي كان يُرشدنا. وجدت حشيشا وبدأت أتناوله من شِدَّةِ الجوع... كنت أنوي أن أدلّ عليه زملائي... أصبت باختناق وكدت ألفظ أنفاسي !
لمّا تأخرت، جاء صديقي عبد الوهاب زدّيوي الذي قتل في حادثة "سأرويها في مرّة أخرى" ليتتبع أثري، فوجدني في حالة غير عادية... رأى راعيًّا فطلب منه إسعافي.
أعطاني كسرة وجرعة من مشروب غازي "غازوز"، وأخبرني بأنّ هناك مجموعة ستقوم بدورية وسترشدكم على كيفية التنقل.
عادت لي أنفاسي، أحسستُ بأنَّ الرّاعي سيدلي قوّات الجيش والأمن على مكان  تواجدنا فقمنا بتغيير المكان.
إلى غاية هذا الوقت، لم نكن نحوز على قطعة سلاح، بل كُنَّا مساجين في حالة فرار !
تم وضعنا في بعض الخيم البلاستكية، وكانت هناك مجموعات متفرقة، هي من تُقدِّم لنا بعض الأكل.
جاء أحد الشيوخ الذين كانوا يديرون العمل "المدعو مرابط، من روس العيون" كنت أعرفه لما كان يُلقي دروسا. طلبت منه أن يسمح لنا بالتحرّر لأننا إن بقينا على هذا الحال فسنضيع !
لم نعد نطيق التحمل ! لم نجد من طريق يمكننا من الأكل سيما ونحن فارّون من السجن ومحكوم علينا بالإعدام، ومبحوث عَنّا، إلاّ أن نقوم بحواجز مزيّفة في الطريق حتى نتمكن من مواصلة الحياة.
 لم نكن نستهدف المدنيين والعمال من أبناء الشعب، بل كنا نستهدف الشركات  والمؤسسات، سيما الشاحنات التابعة للأسواق التجارية... ولم نكن نأخذ فلساً واحداً ولا أن نعتدي على أيّ مواطن، ماعدا أخذ ما نحتاجه من أكل وشرب كالزيت والسكّر والقهوة والدّقيق... ثم يُطلق ذلك الشخص ونصارحه بأنّه ليس لنا طريق غير هذا. إلى غاية 1996، انتقلت إلى جبال بابور "بين ولاية سطيف وجيجل، أين بدأت معي قصة أخرى .
الشهادة  مقتطفة من الحوار الذي أجريته مع  تونسي نوري المدعو أسامة في سجن تازولت، يوم 11 مارس 2012 على إذاعة وطني.


إرسال تعليق

 
Top