0


كما كان متوقعا، فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأغلبية المقاعد في البرلمان. تأزّم الوضع على وزير الدفاع السابق خالد نزار ومن معه، وأقبل على توقيف الدور الثاني من الانتخابات التشريعية التي جرت، يوم 26 ديسمبر عام 1991، وقبل أن تعترف دول كبرى بنتائج الانتخابات، لأن الإقدام على دور ثان سيُعقّد من مهمّتهم !
كان التحضير لعملية الانقلاب على قدم وساق قبل الانتخابات التشريعية !
تمّ الاتصال بمحمد بوضياف في المغرب وبدأ الترتيب لقدومه، ولم يبق إلاّ  شرعنة الانقلاب !
طلبوا من الرئيس الشاذلي بن جديد الاستقالة، وفي حالة عدم مثوله لطلبهم، سيتصرفون معه بالطريقة التي يرونها ملائمة !
لست في موقف المحقق هنا، بل لدي مؤشرات تدُلّ على ذلك، كون أنني شاهد عيان، سأرويها لكم وأترك الطريق أمام من أراد التحقيق في هذا الأمر من أبناء الجزائر المخلصين.
لم نكن نرى أنّ انتصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ هو انتصار حزب، بقدر ماكنا نراه انتصار إرادة شعب وتجسيدا لحرية الاختيار.
كان المفترض أن تسير الأمور بشكل عادي، ولو احترمت إرادة الشعب، ما كنا نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم، وفي أحلك الظروف، ما كنا لنصل لِرُبع ما وصلنا إليه  من نتائج  بائسة على كل الأصعدة.
إنّ التيار الإسلامي في الجزائر مُتجذر، وكان يتمتع بطاقات هائلة، كما كان بإمكانه أن يحدث قفزة نوعية في ظلّ المهندس عبد القادر حشاني رحمه الله.
لم نكن نرضى بأي عمل يسيء إلى قيادة الجيش الوطني الشعبي، لو سارت الأمور بشكل طبيعي، إلاّ أنه مع الأسف انحازت قيادة الجيش ضدّ إرادة الشعب، وكان المفترض أن تكون محايدة.
كنّا مستعدين حتى لمواجهة الاسلاميين لو فرضا كانوا ضدّ مصلحة الشعب.
استفاد عبد القادر حشاني من أخطاء الماضي، حيث أنّه حصل سوء تفاهم بين عباسي مدني وعبد الحميد مهري، وتواصل عبد القادر حشاني مع آيت أحمد وعبد الحميد مهري وتكوّنت بذلك جبهة وطنية، كان بإمكانها أن تدفع الجزائر إلى الأمام.
واصل الجنرال نزار في خطته ولم يتراجع عن الانقلاب مع التفاهم الذي حصل بين الجبهات الثلاث. وهنا وجب علي أن أطرح السؤال التالي على رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد:
ماذا كان يمكن أن يحصل لك لو رفضت الاستقالة يا سيادة الرئيس ؟ كان بكلّ تأكيد أن تتم تصفيتك !
تُركت المبادرة للجنرال خالد نزار ومن سار معه من أعضاء اللجنة المركزية في جبهة التحرير وكذا من شرعنوا عملهم في إطار المجلس الدستوري.
إذن؛ ففرضية الاستقالة عن رغبتك، هي مزحة سياسية ! الدليل في ذلك، أنه يوم الإعلان عن استقالتك، كنت العبد الضعيف داخل الثكنة العسكرية بشرشال، أين جاءني ضابطان من رئاسة الجمهورية إلى مكتبي، أحدهما اسمه الأخنش الذي كان مرافقا للرئيس الشاذلي بن جديد !
كما أنه كان مرافقا للرئيس محمد بوضياف في أول نزول له من الطائرة قادما من المغرب، وقد ظهر معه على التلفزة !
كان قبل هذا ضابط صفّ في مديرية التكوين البدني العسكري بشرشال، صديقه كان نائبي برتبة  ملازم !
كان الأخنش مرتديا لباس الرئيس نفسه  "من نوع جوغينغ رمادية اللون" وهو لباس لم يكن في متناول الجميع نظرا لثمنه الباهض!
سأله ضابط: من أين لك هذا ؟ فأجابه بالحرف الواحد: لقد أخذته عُنْوَةً من عند ذاك الكلب، ويعني الرئيس  "الشاذلي بن جديد"  الذي فعل  بنا... وقد أخرجناه ذليلا وتقاسمنا لوازمه !
كان برفقته زميله برتبة ملازم أول يردّد نفس الكلام ! في ذلك اليوم كان التحضير جاريا لاستقدام محمد بوضياف من المغرب، وهذا دليل مادّي ينسف كل الادّعاءات بأن الشاذلي استقال بمحض إرادته.
في الزنزانة رقم 5 بمركز الاستنطاق ببن عكنون، وبينما انتهي معي من الاستنطاق، طلبتُ أن يزودوني بورقة وقلم، لأكتب رسالةً إلى وزير الدفاع آنذاك خالد نزار.
جيء بشاب أصله من مدينة الونزة بتبسة "اسمه ابراهيم مشري" وهو طالب جامعي بعنابة تخصص هندسة، بتهمة التدبير لتفجير مقر إقامة الشاذلي بن جديد بعنابة !
كنت أعتبر ذلك هدية من الله، حيث كنت أعتقد بإعدامي، ولهذا طلبت منه بعد أن كتبت الرسالة، أن يقرأها علي عدّة مرات حتى يحفظ محتواها، وفي حالة خروجه من السّجن سيخرج مضمونها للرأي العام.
بعدما تعرّف علي وعرف خلفياتي ومن أكون؛ اطمأن لي وبدأ يسرِدُ عليّ قِصّتَهُ.
حيثيات قضية هذا الطالب تتمثل فيما يلي: كان أحد أقربائه صفّ ضابط في الحرس الجمهوري، هذا الأخير أخذ نصف التقاعد.
اتصل به مساعد في الحرس الجمهوري، وطلب منه أن يحضر له مخططا لاستهداف بعض المراكز الحسّاسة، "من بينها إقامة الشاذلي بن جديد في عنابة"، كما طلب منه تحضير مختصّ في هذا الشأن أيّ "في الهندسة الميكانيكية" !
كان هذا في شهر أكتوبر - نوفمبر- عام 1991، أي قبل إجراء الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991، بمعنى أنّ العملية كانت محبوكة من الأساس !
توقّف ضابط الصفّ عن الاتصال بالطالب، بعدما زوّده بالخطة. وجد الثلاثة أنفسهم: المساعد، الطالب، ضابط الصفّ، في مركز التعذيب ببن عكنون !
لم يتم تعذيب المساعد ولا الطالب، وإنما تمّ تعذيب صفّ الضابط إلى درجة أنّه فقد تقريبا  بصرَهُ وجُزْءًا من وعيه.
عندما تبنىّ كل ما نُسب إليه، توقّفت آلة التعذيب، ومباشرة بعد إعلان استقالة الشاذلي بن جديد أعيد النظر في كيفية التعامل مع الثلاثة، كما أزيلت آثار التعذيب على جسمه وتكثفت طرق علاجه ...
من خلال ما سبق، يتبين أن استهداف الشاذلي بن جديد كان مخطّطًا له في حالة عدم رضوخه إلى الاستجابة لطلب قيادة الجيش والمتمثلة في الاستقالة.
مقتطف من حوار مطول أجريته مع النقيب أحمد شوشان على قناة المصالحة على الأنترنت، يوم 06 نوفمبر2010.

إرسال تعليق

 
Top