0


إنّ مجزرة سركاجي كارثة حقيقية. قُتِلَ فيها مالا يقل عن 118 شخصًا، عكس العدد الذي صرّح به النظام وهو: 93 قتيلاً. والدليل في ذلك، أنّ مجزرة سركاجي نُسبت إلى الأخ بوعكاز الذي كان من بين المحكوم عليهم بالإعدام !
ومن الغرائب أنّ اسمه غير موجود في عداد القتلى، لمن لا يعرفه: هو ابن عقيد في الجيش !
الأغرب هو أنّ 17 قتيلا موضوعون تحت علامة مجهول (X)، والمعلوم أن كلّ سجين عندما يدخل السجن توضع له البصمات، ويتمّ تصويره، ولديهم كلّ المعلومات بشأنه !
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تمّ إخفاء هذه الأسماء؟ ولصالح من؟ كان من المفترض أن أكون أنا وعبد القادر حشاني رحمه الله شاهدان رئيسيان في مجزرة سركاجي، كون أنَّنَا كُنّا نقوم بوساطة بين النّظام والسُّجناء، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم نُستدْعَ إلى المحاكمة ؟
الأغرب من كلّ ما سبق، حوكِمَ أكثر من 200 شخص في قضية السّركاجي، ولم أحاكم أنا ؟ هذا أمرٌ غريبٌ حقّا ! والسؤال لماذا ؟
من المفترض أنّ أوّل من يعاقب هو الهدّاوي أحمد مدير السجن آنذاك والحُرّاس الذي تناوبوا في الصبيحة وفي المساء.
أيُعقلُ أن يدخل السلاح إلى مساجين محكوم عليهم بالإعدام ؟ أين كانت هذه الحراسة، والمحكوم عليهم بالإعدام في زنازين انفرادية ؟ إنها قضية مُدبّرة ومبرمجة، راح ضحيتها الإخوة ! وأتحدّى النظام  في ذلك ! أنا مستعد لأن أذهب إلى محاكمة أخرى !
لقد وقع اتصال في الخارج بين شقيق بوعكاز الذي كان ينتمي إلى جماعة مسلّحة مع سجين داخل سركاجي يُدعى حميد مباركي، هذا المظلوم الذي فرّط فيه الإخوة وتركوه يعاني في السّجون ويتنقّل بينهم، ويتلقى أنواعا من الظلم والاضطهاد … كان على النظام أن يعفو عنه في إطار ما سمّوه المصالحة.


لقد تمّ الضّغط على الأخ حميد مباركي من طرف الأخ الشقيق لبوعكاز، وقاموا بتهديده وقتل أقاربه...  مِمّا جعله يرضخُ لطلب من هدّدوه.
يجب أن يعرف الجميع أن الأخ الشقيق لبوعكاز تمّ القبضُ عليه خارج السجن، واعترف للجهات الأمنية قبل تنفيذ مُخطّط التمرّد في سركاجي ! وهنا وجب طرح العديد من الأسئلة: لماذا حاصروا السِّجن قبل بدء التمرّد ؟
أدخلوا السّلاح وسرّبوه إلى سجن سركاجي، أين تمّ قتل أربعة حُرّاس وهم على التوالي: شرّيحي موسى، وتعود أصوله إلى ولاية برج بوعريريج، زغرابة سيد أحمد، بوزيد محمد، بخوش رشيد.
لقد سقط بعض الإخوة في الفخّ، ولم يكونوا على علم بأن العملية مدبّرة. عند محاولة خروجهم من السّجن والفرار، كان لهم رجال الدّرك بالمرصاد.
لقد احتفظ الإخوة في السجن برهينتين للضّغط على النظام. حاولوا فكّ قيودي وأنا بالزنزانة الانفرادية تحت الأرض، واستطاعوا أن يكسروا قفل الزنزانة بعد صلاة الصبح. لمّا أخرجوني، كان حوالي 200 شخص خارج الزنازين.
لما صعدتُ وجدت الشيخ يخلف شرّاطي، حسن كعوان، قاسم تاجوري، أحمد الودّ... رحمة الله عليهم جميعا.
طلبتُ من الإخوة أن نُكوّن خلية أزمة وسألتهم: أين يوجد عبد القادر حشاني رحمه الله ؟ فقالوا:  يوجد في الطابق العلوي بقرب العيّادة، أين يوجد المبارك بومعرافي " القاتل المفترض للرئيس محمد بوضياف " !
طلبت من بعض الإخوة كان من بينهم جمال العسكري وهو أيضا ابن عقيد في الجيش لايزال مسجونا ظلما إلى اليوم، أن يأتوا بالشيخ عبد القادر حشاني، وفي حالة رفضه، عليهم كسر أقفال الزنزانة والإتيان به.
اجتمعنا، واقترحنا أن يخرج عبد القادر حشاني رفقة الشيخ يخلف شرّاطي للتفاوض مع النّظام. رفض الشيخ يخلف شرّاطي الأمر وطلب مني أن أخرج كعسكري بالإضافة إلى الشيخ عبد القادر حشاني كسياسي.
أخذت المبادرة، وقلت للشيخ عبد القادر حشاني: سأتقدم أنا ماشيا وسر أنت من خلفي.
اذا ما تمّ الغدر بنا وأُطلِقَت الرّصاصة الأولى ستكون في صدري... ما إن تقدّمت إلى الخارج، رآني ضابط اسمه المبروك، كان يُشرف على نقلي  في إطار التنقل إلى  محكمة البليدة، وطلب مني العودة، فقلت له: أريد أن نتّصل بقيادة النظام، فقال لي: أمهلني سأتدبّر الأمر.
بعد رؤية قيادته طلب مني أن أخرج أنا وعبد القادر حشاني فقط، وإذا لازمنا أحد آخر فإنه سيرمي الرصاص علينا !
بدأنا الحديث مع القيادة آنذاك وكانت متمثلة في: الجنرال الشريف فوضيل وجنرال آخر، إضافة إلى النائب العام ومدير السجن الذي أقيل من منصبه بعد ذلك، وصلنا الأمر بأن الجنرال اليمين زروال حضر إلى السجن !
طلبنا منهم أن نجد حلاّ قبل أن تنفلت الأوضاع، وأخبرناهم بأنّ هناك أربعة حرّاس قتلوا، إضافة الى أحد الإخوة المساجين!
طلبنا إحضار ثلاثة محامين لمعاينة الأوضاع، وهكذا، نطلب ممّن تسببوا في قتل الحرّاس تسليم أنفسهم لمحاكمتهم، وتنتهي العملية بإنقاذ بقيّة المساجين.
وكإظهار حسن النية من جانبنا للنظام، طلبنا إحضار المختطفين الموجودين لدى الإخوة في السجن، وقدّمنا لهم واحدًا منهما وطلبنا أن يختاروا واحدا عن طريق القرعة...
لما أطلقنا سراحه، عوض أن تسير الأمور في اتجاه التهدئة والحلّ الممكن، أخذوا ذلك المختطف، وقاموا بتعذيبه، واتهموه بأنه كان يتعامل معنا !
بقينا مدّة في أخذ وردّ حول الضمانات، وهكذا لم يجد أحد الجنرالات حجّة فضرب المفاتيح على الأرض وصرخ قائلا:
إذا كان سجينان هما من يديران الأمر، فاذهبوا إذن إلى قيادات أخرى لإدارة الأزمة!
قال عبد القادر حشاني: يا حضرة الضابط، هذه دماء ! نحن مسؤولون عنها أمام الله ! هم أبناء الجزائر، هم جزائريون في النهاية ! أليس كذلك ؟ يجب أن نحافظ جميعا على دمائهم ! نحن لا نستطيع إرجاع أرواح من ماتوا، ولكن علينا أن نحافظ على الدماء التي لم تُرق بعد !
خرج الجنرال رفقة النائب العام، ومن ثمّ عادَا. تم وضع عبد القادر حشاني في حجرة ووضعوا عليه حرّاسا، وطلبوا مني أن أعود إلى السّجن. أعطوني مهلة ربع ساعة ! أحسست أنهم يريدون تصفيتي !
عُدت إلى السّجن فوجدت محمد تبّي رحمه الله قد وضع المبارك بومعرافي " القاتل المفترض للرئيس محمد بوضياف "  تحت ركبته.
دخلنا الزنزانة حوالي 14 أخًا، وهكذا شرح لنا المبارك بومعرافي كيفية تصفية الرئيس محمد بوضياف، ومن أعطاه الأوامر. محمد تبّي رحمه الله قال لي: سأضع المبارك بومعرافي على ركبتي وأضع السكّين على رقبته، وأعلم أن قيادة النظام يحرصون على حياته، وهكذا نستطيع تسوية الأمر معهم !
خرجتُ مع أحد الإخوة اسمه أحمد الشامبلا يعود إلى مدينة بوفاريك، كانت مجموعة من  القوّات الخاصة  تريد رمي الرصاص علينا. رآني أحد الضبّاط وتعرّف علي وطلب منهم أن لا يرموا الرّصاص.
أخذوني وألحقوني بعبد القادر حشاني في الحجرة وأغلقوا علينا الباب ! كان أحد العملاء هو من سرّب المعلومات عن الإخوة داخل السجن إلى قيادة النظام، وأتحفظ عن ذكر اسمه في الوقت الحالي !
وهكذا دخلوا بالرشاشات وبدأوا في الرّمي على المساجين، حيث قاموا بمجزرة رهيبة يندى لها جبين الانسانية !
منذ العصر إلى غاية صلاة الصبح والرّصاص يُدوّي، وأخيرا، جاء الجنرال عبّاس غزيل وطلب منهم التوقف عن الرّمي !
دخل الجنرال خالد نزار وزير الدفاع السابق إلى السّجن، مع أنّه كان متقاعدًا كما أعلن، ووجّه نحوي المسدّس، وقال لي:لو يُقتل المبارك بومعرافي سأقتلك !
أخذ الجنرال عبّاس غزيل نظّارات عبد القادر حشّاني رحمه الله ورماها فوق الأرض ! وقام بتكسيرها برجله ! وأمر الحرّاس بحلق لحيته !
كان الحرّاس يضعون علامة الصليب على المساجين، ويخرجونهم من الزنازين ويقتلونهم ! من بين الذين قتلوهم أمامي: الدكتور أحمد الودّ رحمه الله ! قتله أحد الحرّاس بالمطرقة التي تستخدم لطرق المسمار بضربة في الرأس.
مقتطف من حواري المطوّل مع عبد الحق لعيايدة " الأمير السابق للجماعة الإسلامية المسلّحة" على إذاعة وطني، 29/01/2012.

إرسال تعليق

 
Top